Thursday, May 18, 2006
وأبي قال مرة: الذي ما له وطن ما له في الثرى ضريح



سيدي الرئيس

بعد التحية والسلام

أعرف أن وقتكم الثمين لن يسمح لكم بقراءة هذا الهراء، وأدرك أن رجالات قصرك لن يشرحوا لك مضمون رسالتي، وأوقن أن جلاديك سيرغمونني على أكل أحذيتهم بعد أن ينتهوا من شنق والدي وأصدقائي

سيدي الرئيس، إذا سمحت لي عظمتكم، وإذا تفضلت جلالتكم، وإذا أعطاني سلطانكم الأمان، أن تترك أحد عبيدك الحاقدين أن يخاطبكم. أن تدع أحد من أنعمت عليهم بنعم لا تعد ولا تحصى أن يكتب لك رسالة على ورق ليس مصنوعا من تبر الذهب. أن تسمح لأحد كلابك بالتجرأ والنباح في وجه من كساه وأطعمه. أن تمنع زبانيتك عنه - ولو للحظة – في أن تسول له نفسه ويقول كلمة باطل في وجه سلطان عادل

سيدي الرئيس، أعرف أن الكفر حرية شخصية، أقررتموها على لوح مملكتكم المحفوظ، وأنعمتم بها على عبيدكم التعساء، في أن يكفر من يشاء وأن يؤمن من يشاء، ما عدا الكفر بكم. هل تسمح لي يا سيدي بأن أكفر بك وبكل ما تقول وبكل ما تردد ؟ هل ستغضب لأن أحد المنافقين في مملكتك لم يعد يردد كلامكم المرسل الذي لم يخلق مثله في البلاد ؟ هل ستحزن لأن أحد كلابك المخلصين في ضيعتك لم يعد يصدق وعودكم بالفردوس المنتظر، وبنهر النيل يجري في عروقه عسل مصفى، وبحور عين كأمثال اللؤللؤ المكنون ؟ هل ستسلط على زبانية قصرك ؟ هل ستخرج ورائي حراس عرشك ؟ وهل ستعطي كلابك المتوحشين عطر أمي ليتبعونني ويتعقبونني وينكلون بي ؟ وهل ستدخلني جهنم وبئس المصير ؟

أعرف أن عقوبة الكفر بكم في البلاد تسعون جلدة، وعشرون ظفرا من جسمي، وعضو تناسلي لن يكون صالحا إلا للتبول، ومؤخرة سيعتاد رجالك على زيارتها كل ساعة، وسبعون كلبا ينهشون جسمي وعرضي. وأعرف انني مع ذلك، لن أزيد إلا إيمانا بكفري بك وإمعانا بشركي لمن يعبدوك ويقدسوك

خمسة وعشرون عاما، تجرعنا فيها المذلة والهوان، ولم يكن – أبدا - عندنا شك في أن الحرية ستأتي يوما، ولكنها لم تجروأ على طرق أبوابنا. خمسة وعشرون عاما سقينا فيها شراب من يحموم وكئوس صدئة من الظلم والقمع والاستعباد، ولم يكن إيماننا في عدل ورحمة ببعيد. خمسة وعشرون عاما أكلنا فيها من تراب الأرض دون أن نتذمر، وشربنا من دمائنا دون أن نظمأ، ودون أن نقول كفى. ربع قرن قضيناها على محطة الانتظار، الأم في انتظار ابنها المعتقل، والزوج قطع لسانه أمام أفواه مدافع حرسكم الحديدي. ربع قرن اختفت فيها كلمة "لا" من القواميس العربية، ومفردات الرفض والهجاء، حتى الحزن على موتانا أمسى بابتسامات تحت تهديد السلاح

سيدي الرئيس، هل تسمح لي بأن أشك، ولكن ليس على طريقة شك الغزالي، وإنما مثلما فعل ديكارت، أنا أشك: إذن أنا لست معتقلا في سجونك الرهيبة، أنا أشك: إذن أنا لا زالت حيا، أنا أشك: إذن أنت لست موجودا. وأنا أشك في وجودك سيدي الرئيس، وشكي في هذه اللحظة محله القلب - وليس العقل. وأنا أشك في أنكم في غيبوبة طويلة منذ خمسة وعشرين سنة، أو أنكم مصابون بسكتة دماغية مدتها ربع قرن. وأنا أشك أنكم لستم الحاكم الحقيقي لهذه البلاد، وشكي في هذه اللحظة محله العقل - وليس القلب. وأنا أشك في أنه لا تأخذك سنة ولا نوم، في الوقت الذي أنت فيه نائم تحلم وتحتلم على عرش بلادنا منذ ربع قرن. كيف يمكن أن تكون محي العظام وهي رميم، وأن تكون من يشفي الأبرص والأعرج، وعبيدك في السجون وفي الحصون شوهت أجسادهم وفضت بكارات نسائهم وقطعت أيديهم لأنهم يأكلون ما يسرقون ؟ كيف يمكن أن تكون الذي يرقص تحت السماء رافعا عصاه السحرية منتظرا هطول المطر، وأن تكون من يضرب الأرض بعصاه فتخرج القمح والأرز والياسمين، وعبيدك يجمعون كسرات الخبز من الأزقة، ويأكلون التين والزيتون المسرطنين، ويشربون المياه بنكهة مرحاضكم العتيق، ويستنشقون روائح أجسادهم النتنة لأنهم لم يناموا ليلة واحدة في قصركم الكبير

سيدي الرئيس، نحن شعب لم يعد يزرع الريحان. شعب لم يعد يألف الضحكة ولم يرى يوما سعيدا. شعب تبرع بدمائه عنوة بما يفوق استيعاب كل بنوك الدم في العالم. شعب ضحى بأبنائه وزوجاته وأمهاته وقدمهم قرابين لك في حديقة قصرك. شعب أضحى على شفا حفرة من السعار، فحذاري أن يتحول شعبك إلى كلاب مذعورة، فالعضة بعشرين حقنة، والحقنة مكانها المؤخرة، ووجع المؤخرة لا علاج له حتى الآن. شعب لن يدخل الجنة أبدا لأنكم ورجالكم المخلصون قد قمتم بممارسة الجنس معهم ألف مرة. هل تعتقد أنهم يستحقون الرجم حتى الموت ؟ وهل تعتقد أن الله سيغفر لهم خطاياهم

سيدي الرئيس، ماذا ستفعل يوم الحشر العظيم ؟ هل ستحميك مدافعك عندما يطلبك من خلق السماوات والأرض لسؤالك ؟ أي عطر من عطورك الباريسية الثمينة سوف تضع وأنت بين يدي البارئ عز وجل ؟ هل ستكفيك أموالك في سويسرا لتفتدي كل جسد شنقت، وكل رأس أطرت، وكل عرض هتكت، وكل فرج اغتصبت، وكل ظفر اقتلعت، وكل عين فقأت، وكل لسان قطعت، وكل قلم قصفت ؟ هل سيتوسط جلاديك للدفاع عنك أمام المعز المذل ؟ هل سيرحمكم من في السماء عن كل لحظة ألهت فيها شخصكم وصدقت فيها أنكم – حاشا لله – الملك الجبار

سيدي الرئيس، لست أعرف لماذا تشغلون أنفسكم بمن يولى علينا من بعدكم، أطال الله في عمركم وفي عمر من يأتي بعدكم، فنحن تعلمنا أن فرعون سيرحل وفرعون آخر سيأتي من بعده، ونحن – في الحقيقة - قد ضقنا ذرعا بالفراعنة، ولم نعد نهتم بأهراماتنا كثيرا، ولم نعد نحفر معجزاتك على جدران معابدنا، ولم نعد نضع صوركم الشخصية أمام الكباري والجسور في متاحفنا. نحن شعب يهتم الآن بالاغريق، شعب ينتظر أفروديت لترد له الجمال ولتزرع في قلوبه الحب. شعب ينتظر أبولو ليتغني بالموسيقى وينشد الشعر ويرى النور. ينتظر ديميتر ليزرع الياسمين والريحان والتين والزيتون. ينتظر زيوس لينزل الأمطار ويجلب الخير للبلاد. وينتظر برومثيوس ليسرق منك النار والقوة ويعطيها لنا. نحن شعب ينتظر – وأظنه حق له أن ينتظر – مثلما انتظرنا جميعا جودو

سيدي الرئيس، أعرف أنني قد أطلت، وما كان ينبغي لي، وأدرك أن حراسك يقفون في الخارج، وأسمع نباح كلابك المفترسات رهن إشارة منك. سأعرى نفسي، فليس لملابسي ذنب معي، وقد دفعت فيها الكثير. سأخلع حذائي، فأنا لست جائعا الأن، ولم أعد أستسيغ أكل النعال. سأمشي معكم في هدوء وسكينة، فأنا أعرف المكان، وأعرف كل الطرق المختصرة إليه، وأعرف أن رغبة ممارسة الجنس مع النزلاء الجدد هي رغبة متوحشة

سيدي الرئيس، سؤال أخير: هل تسمحون باستعمال الكريم والمرطبات هناك؟








كتبت هذه الرسالة في عيد ميلاد الحاكم الثمانيني للبلاد وتأخر نشرها بسبب ظروف صحية للكاتب *
العنوان من قصيدة لمحمود درويش *
الصور من رويترز والأسوشيدبرس والوعي المصري *
 
posted by المواطن المصري العبيط at 2:13 PM | Permalink | 59 comments