Wednesday, January 18, 2006
أهانة الرسول تجدد السؤال: من يكره من ؟



صدمة الرسوم الدنماركية الفاحشة التي أهانت نبي الإسلام وسخرت منه وحطت من شأن كل ما يمثله ، ينبغي ألا تمر من دون أن نتوقف عند وقائعها ونستخلص دروسها، لأنها تشكل نموذجاً للكيفية التي تتعامل بها بعض الحكومات والنخب في الغرب مع الإسلام، وللكيفية التي ترد بها الأطراف الإسلامية على الإهانات التي توجه إلى عقيدتهم ونبيهم

خلاصة الوقائع على النحو التالي: في الثلاثين من شهر سبتمبر الماضي نشرت صحيفة يولاندز بوسطن ، وهي من أوسع الصحف اليومية انتشاراً في الدنمارك ، 12 رسماً كاريكاتوريا للنبي محمد عليه الصلاة والسلام ، أقل ما توصف بها أنها بذيئة ومنحطة إلى أبعد الحدود ، ومع الرسوم نشرت الصحيفة تعليقاً لرئيس تحريرها عبر فيه عن دهشته واستنكاره إزاء القداسة التي يحيط بها المسلمون نبيهم، الأمر الذي اعتبره ضربا من الهراء الكامن وراء جنون العظمة ، ودعا الرجل في تعليقه إلى ممارسة الجرأة في كسر ذلك التابوه ، عن طريق فضح ما اسماه التاريخ المظلم لنبي الإسلام ، وتقديمه إلى الرأي العام في صورته الحقيقية التي عبرت عنها الرسوم المنشورة

ورغم الدور الكبير لمنظمة المؤتمر الإسلامي ولجامعة الدول العربية في الدعوة إلى التدخل لوقف حملة الكراهية ضد المسلمين ، واتخاذ موقف حازم إزاء الإهانات التي توجه ضد نبيهم ، إلا أن الردود التي تلقتها الأمة الإسلامية ـ خصوصاً من رئيس الوزراء الدنماركي ـ أن قضية حرية التعبير تمثل ركناً أساسياً في الديمقراطية الدنماركية، الأمر الذي اعتبر رفضاً لاتخاذ موقف إزاء الحملة

وحتى الآن ، وبعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على الحادثة ، إلا أن الملف لا يزال مفتوحا، ولكن ما يثير الدهشة والاستياء في الموضوع ليس فقط أن يتطاول شخص أو صحيفة على رسول الله ومقدسات المسلمين ، فالمتعصبون والحاقدون والمغرضون موجودون في كل مجتمع ، وهم كثر في الغرب ، خصوصاً إذا ما تعلق الأمر بالشأن الإسلامي ، ولكن المؤسف حقا أن أصوات هؤلاء قد طغت على أصوات العقلاء والمنصفين من مثقفي الغرب ، ناهيك عن موقف حكوماتهم التي يفترض فيها النزاهة في مواقفهما عن الهوى واللغط ، وأن يكون تعبيرهما أكثر التزاماً بمعايير الإنصاف وبمقتضيات المصلحة العامة

فليس صحيحاً أن السخرية والطعن في نبي الإسلام ورموز المسلمين يعد من قبيل ممارسة حرية التعبير ، لأن الذي تعلمناه في دراسة القانون أنه لا توجد حرية مطلقة إلا فيما يخص حرية الاعتقاد والتفكير، أما التعبير فهو سلوك اجتماعي يرد عليه التنظيم في أي مجتمع متحضر، وعند فقهاء القانون في النظام الأنجليسكسوني وفي النظم اللاتينية، فضلاً عن الشريعة الإسلامية، فإن حرية التعبير يسبغ عليها القانون حمايته طالما ظلت تخدم أية قضية اجتماعية ، ولا تشكل عدواناً على الآخرين ، وللمحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة أحكام متواترة بهذا المعنى، والعبارة المتكررة في تلك الأحكام تنص على أن حماية حرية التعبير تظل مكفولة طالما تضمنت حداً أدنى من المردود الاجتماعي النافع * من مقال للكاتب الكبير فهمي هويدي ، جريدة الشرق الأوسط اللندنية

إن كل القوانين التي عرفتها الدنيا تجرم سب الأشخاص والقذف في حقهم ، حيث لا يمكن أن يعد ذلك نوعا من حرية التعبير ، لأن السب في هذه الحالة يعد عدوانا على شخص آخر ، ومن ثم فأولى بالتجريم سب نبي الإسلام الذي يؤمن بنبوته ورسالته ربع سكان الكرة الأرضية

إن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: لماذا لا تعلن حكومات الدول الإسلامية استهجانها واستنكارها لموقف حكومة الدنمارك بشكل صريح وحازم ؟ تخيلوا معي لو وجه مثل ذلك الطعن الجارح إلى أي رئيس دولة في منطقتنا، بالتأكيد لقامت الدنيا ولم تقعد ، ولسحب السفير وتهددت العلاقات الدبلوماسية فضلاً عن المصالح الاقتصادية القطيعة ، فهل نستكثر على رسول الله عليه الصلاة والسلام أن نغضب لشخصه ولكرامته بما هو دون ذلك بكثير؟ وألا يخشى إذا استمر الصمت الرسمي في العالمين العربي والإسلامي ، أن يخرج علينا من يطرح العنف بديلاً عن المعالجة الدبلوماسية الرصينة ، فيفتي مثلا بإهدار دماء محرر الصحيفة الدنماركية ورساميها، وتكون هذه شرارة فتنة جديدة لا يعلم إلا الله مداها

كما أن الواقعة تجدد سؤالا آخر طالما طرح حينما كان يفتح باب الحديث عن عداء المسلمين المزعوم للغرب، هو: من حقا يكره من؟
 
posted by المواطن المصري العبيط at 11:12 AM | Permalink |


4 Comments: